اسماعيل بن محمد القونوي
235
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( وفيه تنبيه على أنه تعالى إنما لم ينزلها ) عدم الإنزال مستفاد من قوله : قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ [ الأنعام : 109 ] إذ مثل هذا الكلام إنما يقال في بيان القدرة وعدم إرادة الفعل وما يشعركم كلام ابتدائي مسوق من جهته تعالى غير داخل تحت الأمر لهذا التنبيه . قوله : ( لعلمه ) أي الحكمة الداعية إلى عدم الإنزال علمه تعالى ذلك لا لشيء آخر . قوله : ( بأنها إذا جاءت لا يؤمنون بها ) أي بالآية المقترحة كما لم يؤمنوا بالآيات الواضحة التي هي الحقيقة لمن استبصر بأن تقطع بها الأرض وتسير بها الجبال فأنى لهم الإيمان بالآيات المقترحة والإيمان بالرسول عليه السّلام بعده . قوله : ( وقيل لا مزيدة ) فح الإنكار يتوجه إلى الإشعار والمشعر به وهو الإيمان أي لا يكون منكم إشعار ولا إيمان منهم فالإنكار للوقوع لا للواقع وأما في الاحتمال الأول فالإنكار متوجه إلى الإشعار فقط وأما نفس المشعر به وهو عدم إيمانهم متحقق إذ زيادة اللام فيه غير شائعة . قوله : ( وقيل إن بمعنى لعل ) على أن الكلام قد تم قبله يقال أدخل السوق إنك تشتري اللحم وعنك وعلك ولعلك كلها بمعنى واحد . قوله : وقيل لا مزيدة هذا على قراءة أن بالفتح أيضا وإن حمل على زيادة لا إذ لو لم يحمل عليها لزم إفادة الكلام بظاهره أنهم إذا جاءتهم الآيات يؤمنون لأن انكار النفي إثبات فالوجه الأول أولى وهو أن يكون المعنى على انكار السبب مبالغة في انكار المسبب أي ليس لكم شيء يسؤكم أنهم لا يؤمنون عند مجيء الآية التي اقترحوها يعني أن عدم إيمانهم مقرر وإن جاءتهم الآية المقترحة وليس لكم شيء يشعركم ذلك قال أبو علي ما استفهام وفاعل يشعركم ضمير ما والمعنى وما يدريكم إيمانهم فحذف المفعول والتقدير وما يدريكم إيمانهم أي بتقدير أن يجيئهم هذه الآيات فهم لا يؤمنون وقوله : أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ [ الأنعام : 109 ] بالكسر قراءة ابن كثير وأبي عمرو على الاستئناف وهي القراءة الجيدة لأن الكلام تم عند قوله وما يشعركم أي وما يشعركم ما يكون منهم ثم ابتدأ فقال إذا جاءت لا يؤمنون قال سيبويه سألت الخليل عن القراءة بفتح الهمزة وقلت لم لا يجوز أن يكون التقدير كما في قولهم وما يدريك أنه لا يفعل قال الخليل لا يحسن ذلك ههنا لأنه لو قال وما يشعركم أنها بالفتح لصار ذلك عذرا لهم هذا كلام الخليل وبيانه إنما يظهر بالمثال فإذا اتخذت ضيافة وطلبت من رئيس البلدان يحضر فلم يحضر فقيل لك لو ذهبت أنت بنفسك إليه لحضر فإذا قلت وما يشعركم أني لو ذهبت إليه حضر كان المعنى أني لو ذهبت إليه بنفسي فإنه لا يحضر فكذا ههنا قوله : وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ [ الأنعام : 109 ] معناه أنها إذا جاءت آمنوا وذلك يوجب مجيء هذه الآية فهذا تقرير كلام الخليل فقال الخليل في توجيه المعنى على القراءة بفتح الهمزة أن بمعنى فعل فكأنه تعالى قال لعلها إذا جاءت لا يؤمنون وقال الواحدي أيضا أن بمعنى لعل كثير في كلامهم قال صاحب الكشاف في تفسير الآية يعني أنا أعلم بها إذا جاءت لا يؤمنون بها وأنتم لا تدرون بذلك وذلك أن المؤمنين كانوا يطمعون في إيمانهم إذا جاءت تلك الآية ويتمنون مجيئها فقال عز وجل : ( وما يدريكم أنهم لا يؤمنون ) على معنى أنكم لا تدرون ما سبق علمي به من أنهم لا يؤمنون ألا ترى إلى قوله كما لم يؤمنوا به أول مرة .